http://www.saveegyptfront.org/news/

شيء من الكرامة يا بلد!! بقلم: مصطفي بكري

16th April

وقعت هذه الحادثة يوم الإثنين الماضي..

كانت المناسبة هي افتتاح معرض السياحة العربية الذي تنظمه الحكومة الكويتية علي أراضيها، تم توجيه الدعوة إلي عدد من كبار المسئولين العرب ورؤساء البعثات الدبلوماسية وعدد من المستشارين بالسفارات العربية والأجنبية بالكويت.

وقد لبي الدعوة السيد وزير السياحة السوري الذي جاء إلي المعرض لافتتاح جناح بلاده علي رأس وفد رفيع المستوي، أما بالنسبة للجناح المصري فقد كلف السيد وزير السياحة السفارة المصرية بالكويت للمشاركة في هذا الافتتاح.. في البداية قام الوزير السوري بقص الشريط وإلي جواره عدد من كبار المسئولين الكويتيين، وخلفه حشد كبير من رؤساء وممثلي البعثات الدبلوماسية بالكويت.

كان ضمن الحضور في هذا الوقت الوزير المفوض التجاري المصري محمد السيد حافظ الذي تم تكليفه من قبل السفير المصري بالكويت بالحضور والمشاركة تمثيلا لمصر في هذا المعرض الهام.

بدأ الوزير السوري جولته داخل المعرض وبرفقته أعضاء البعثات الدبلوماسية والذين كان من بينهم الوزير المفوض المصري، وفجأة وعلي غير توقع أو انتظار قام أحد أفراد الحراسة الكويتية المكلف بحماية السيد وزير السياحة السوري بجذب المسئول المصري من يده بعنف شديد، طالبا منه الابتعاد، وعندما بدت الدهشة واضحة علي الوزير المصري المفوض قام الحارس الكويتي بشده من قفاه ونحٌاه جانبا..

ساعتها شعر الدبلوماسي المصري بأنه قد أهين أمام زملائه، بل إن مصر ذاتها تعرضت للإهانة لأنه يمثل هذا البلد في الكويت، فدار بينه وبين الجندي الكويتي هذا الحوار الذي أنقله عن شهود عيان كانوا حاضرين:

الدبلوماسي المصري: إيه اللي انت بتعمله ده؟! أنا دبلوماسي مصري.

الجندي الكويتي: قلت لك ابعد.

الدبلوماسي المصري: انت إزاي تزقني وتهيني أمام الناس؟

الجندي الكويتي: وإيش تسوي انت؟

الدبلوماسي المصري: أنا دبلوماسي مصري.. وآدي بطاقتي، وأنا لن أتركك، وسأشتكيك لأعلي المستويات.

في هذه اللحظة بادره الجندي علي الفور بضربة عاجلة أمام الجميع. وقال له: قلت لك اخرس وابعد.

في هذه اللحظة التفت الكثير من الحاضرين إلي ما يحدث.. وعندما حاول الدبلوماسي المصري حماية نفسه والتصدي للكمات القادمة إليه من الجندي الكويتي، تدخل عدد آخر من الجنود، وهات يا ضرب، فين تاكل، فين تشرب.

وبسرعة البرق تقدم جنديان آخران وأمسكا به من الخلف، بينما راح الجندي الأول يدفعه بكلتا يديه علي صدره جانبا، وراحوا يمزقون سترته ويكسرون نظارته وسقطت زرارير قميصه وراحوا يدفعونه لبعضهم البعض وكأنه كرة قدم يتبادلونها وهم يسبونه بأقذع الألفاظ ويسخرون منه..

لقد جرت وقائع هذا المشهد المؤسف أمام العديد من الدبلوماسيين والمواطنين وأصحاب المعارض الذين لم يصدقوا ما رأوه أمام أعينهم.

بعد انتهاء وصلة الضرب والاهانة والشتائم المقززة التي طالت مصر ودبلوماسييها وكبار المسئولين فيها، تدخل بعض المسئولين الكويتيين وخلصوا الدبلوماسي المصري من بين أيدي الجنود بصعوبة ودفعوه إلي سيارته ليمضي إلي منزله..

في هذا الوقت لم يصدق الدبلوماسي المصري نفسه، لقد شعر بأن كرامته قد أهينت وبأن اسم مصر قد أصبح في الحضيض، فاتصل بالسفارة وبمراسلي الصحافة المصرية بالكويت الذين شهد بعضهم هذا الحادث، وطلب منهم أن يفعلوا شيئا.. وقد أرسلت السفارة المصرية في الكويت برسالة عاجلة إلي السيد أحمد أبوالغيط وزير الخارجية تطالبه فيها باتخاذ موقف يرد للدبلوماسي المصري كرامته، خاصة أنه أصبح غير قادر علي مواجهة الدبلوماسيين والعاملين والمواطنين في الكويت بعد انتشار خبر الاعتداء عليه وإهانته.

انتظر الدبلوماسي المصري تحركا واسعا، وظن لبعض الوقت أن أقل شيء سوف تفعله الحكومة المصرية أن تستدعي السفير الكويتي بالقاهرة وأن تبلغه احتجاجا شديد اللهجة وأن تطلب منه أن يبلغ حكومته بضرورة القبض علي الجناة ومحاسبتهم.. غير أن كل ذلك لم يحدث.. فلا السفير استدعي، ولا مصر تقدمت باحتجاج، ولا حكومة الكويت اتخذت اجراء.

لقد عهدت الخارجية المصرية فقط للسفارة المصرية أن تبذل جهدها وأن تحيط الحكومة الكويتية علما بهذا الحادث الذي وصفته الخارجية المصرية بأنه تصرف فردي غير لائق!!

يا الله.. هل هذا معقول؟ إلي هذا الحد هانت عليكم كرامة دبلوماسييكم؟ إلي هذا الحد أنتم حريصون علي مشاعر حكومة وجنود الكويت؟

كنت أتمني أن يكون حرصكم علي كرامة الدبلوماسي المصري يوازي علي الأقل حرصكم علي الحكومة الكويتية وجنودها، لقد شن دبلوماسي كويتي هو السيد عبداللطيف العوضي الشهر الماضي هجوما شرسا علي القوات العسكرية التي شاركت في حرب تحرير الكويت وقال بالنص:

'أما عن حرب تحرير الكويت فإن الكويت استعانت بما حباها الله من ثروة لكي تشتري الجيوش التي دافعت عنها' قد أعدت نشر كلماته وتصريحاته التي أدلي بها لصحيفة المصري اليوم، بل وتقدمت بطلب إحاطة إلي مجلس الشعب، غير أن كل ذلك لم يحرك ساكنا، فالحكومة لم تحتج ولم تطلب من الجامعة العربية اتخاذ أي إجراء ضد هذا الشخص الذي أساء الأدب وأهان المصريين جميعا بكلماته التي لم ينفها بل كان يفاخر بها بعد نشرها.

لقد تحملت مصر الكثير من الوقاحات والادعاءات والمعايرات التي رددها بعض المسئولين أو وسائل الاعلام الكويتية ولو كان الاخوة في الكويت وجدوا ردا واحدا حاسما لترددوا ألف مرة قبل أن ينتقلوا من مرحلة الاهانة والمعايرة إلي مرحلة الاعتداءات علي الدبلوماسيين وسجن المصريين وتعذيبهم في سجون الكويت بطريقة لا يجرءون علي فعلها مع أي جالية أخري!!

(2)

وهناك واقعة أخري لا تقل فداحة عن الواقعة الأولي: إذ قامت القوات الأمريكية والعراقية في العراق المحتل باقتحام مبني القنصلية المصرية في بغداد تحت زعم أن هناك قناصا يتخذ من القنصلية مقرا لإطلاق الرصاص.

ورغم أن جيش الاحتلال الأمريكي وعملاءه يعرفون أن هذا المقر هو مقر دبلوماسي مصري لا يجوز اقتحامه إلا أنهم ارتكبوا هذه الجريمة واقتحموا المقر وحطموا أثاثه وفتشوه وصوروا مستندات هامة حسب التصريحات الصحفية التي صدرت في بغداد.

وهذا الاجراء علاوة علي أنه منافً للاعراف والتقاليد الدبلوماسية ويمثل انتهاكا للسيادة المصرية فهو أيضا يمثل استهانة بمصر، ويؤكد أن هناك اطمئنانا بأنه لن يكون هناك رد فعل في المقابل.

لقد كنت أظن وبعض الظن إثم أن هذا الحدث يمكن أن يستثير حكومتنا ووزارة خارجيتنا لأنه يمثل مهانة وانتهاكا، غير أنني أدركت بعد قليل أن الحكومة لاتزال تتعامل بسياسة 'اقتحام يفوت ولا حد يموت'. وراحت تثبت من جديد أن 'العقل زينة' وأنها أكبر من كل هذه الأحداث الصغيرة، ولذلك رفضت دعاوي 'المتطرفين' باستدعاء سفير الحكومة العراقية العميلة أو سفير أمريكا السيدة والصديقة للاحتجاج.. وقالت لهما: تكفينا ورقة صغيرة مشتركة تبديان فيها نوعا من الاعتذار.

وبالفعل بعثت واشنطن والحكومة العميلة بكلمات موجزة تبديان فيها أسفهما علي ندرة المعلومات التي كان يمكن لها أن توضح أن هذا المبني هو مبني القنصلية المصرية الذي اختفي من عليه علم مصر.

وياللعجب فقد قبلت مصر الاعتذار وكان الله بالسر عليما.

إن هذا ليس بغريب فالحكومة التي لا تعطي اهتماما لأكثر من 120 ألف مصري محاصرين في العراق، ولا يستطيعون الخروج، وتتركهم عرضة للموت البطيء الواحد تلو الآخر، من الطبيعي أن تتلقي الإهانات وتصمت وكأنها غير معنية بالأمر.

إن عمليات القتل والخطف مستمرة منذ بداية الاحتلال، وكافة الحكومات أرسلت بطائرات واستخدمت نفوذها لدي الحكومة العميلة في العراق وجيوش الاحتلال لإجلاء رعاياها، أما نحن فكأننا غير معنيين بشيء أو كأننا نعاقب هؤلاء المصريين الذين تركوا بلادهم للبحث عن لقمة عيش في بلد عربي آخر!!

الغريب في الأمر بعد الحوادث الأخيرة والتي كان آخرها اختطاف طبيب مصري وقتله عبر الميليشيات المدعومة من الحكومة العميلة راحت الخارجية تصدر بيانا تقول فيه: إن حوادث القتل والاختطاف تطول العديد من الجنسيات الأخري وليس المصريين فقط!! بمعني أن هذا قضاء وقدر مفروض علي الجميع، وأنه لا حيلة للحكومة في ذلك وليس أمام المصريين سوي انتظار لحظة الموت، في العراق، أما الحديث عن الاحتجاج أو ممارسة الضغوط فهذا كله مجرد هراء.

إنني أعود وأسأل من جديد: هل حقا نحن نخضع لحكومة تعرف أنها مسئولة عن شعب اسمه شعب مصر، أم أننا أصبحنا الآن بلا حكومة تحمي ظهورنا لكنها تلهب ظهورنا وتتركنا عرضة للقتلة والمجرمين؟

إن علينا أن نستعيد وقائع جريمة الأسري الذين قتلوا في حربي 56 و 67، وكذلك جرائم قتل عدد من الجنود المصريين علي الحدود في الأعوام الأخيرة لنعرف أن الحكومة أبدا لن تحرك ساكنا تحت زعم الدفاع عن الكرامة أو شرف مصر!!

وقبل أن أختم أود أن أسأل الحكومة وأقول لها: ماذا فعلت في مواجهة الاعتداء الذي وقع مؤخرا علي الدبلوماسي المصري في أوكرانيا والذي تعرض للضرب في الشارع مما أدي إلي اصابته بارتجاج في المخ؟

أظن أن الاجابة واضحة ولا تحتاج إلي بحث واجتهاد.. وهكذا أصبحنا جميعا نشعر باليتم لأننا بلا حكومة وبلا أحد يحمي ظهورنا ويدافع عن كرامتنا