تمر الأمة العربية و الإسلامية بمرحلة إنحطاط لم ترى مثلها من قبل ، رغم الصحوة الوطنية و الإسلامية القائمة التى تحاول جاهدة و مجهدة التصحيح.
مظاهر هذا الأنحطاط كمحتواه، تمر أحيانا كثيرة دون استبصار ، حتى تصبح المظاهر و المحتوى مألوفا و قد يتحول المألوف إلى معروف.
و من مظاهر هذا الإنحطاط – فى ظنى – بالترتيب الإستراتيجى:
أولا:
الوجود أو القواعد أو الإحتلال الأمريكى فى الخليج ، و هو الوجود الذى لا يعرف أحد مداه، و لا يتحدث عنه العلماء و الفقهاء الذين أجازوه منذ 19 عاما ، بحجة تحرير الكويت ، و قد إنتهى عهد صدام حسين ، فلماذا تبقى هذه القوات اليوم بل و تزداد ؟ أين العلماء و الفقهاء و الإعلام و المساجد من هذا الوجود؟ و كأن ذلك الوجود الأمريكى لا يكفى فسعت الإمارات العربية المتحدة إلى استضافة قاعدة أخرى فرنسية لأول مرة ، فأصبحنا فى ميدان السبق أوائل فى إستضافة القواعد العسكرية الأجنبية . و لعل أهل الإستراتيجيات العسكرية فى الخليج يجدون مبررات كافية لخداع الشعوب عن مهمة هذه القواعد العسكرية فى بلاد العرب و المسلمين.
ثانيا:
التخلف عن الإسهام فى تشكيل المستقبل حتى أصبحنا نستورد المستقبل كما نستورد الطعام و الشراب و اللباس و السيارات و التقنية ... إلخ ، و تركزت فينا عقلية الإستهلاك أكثر من الإنتاج و طبعا التفكير و البحث و نحن مأمورون - إن كنا من أولى الألباب - بالتفكر " و يتفكرون فى خلق السماوات و الأرض " و إتسع الفرق بيننا و بين من نريد أن نلحق بهم أو نتفوق عليهم ، حتى الحركة الإسلامية التى تنشد أستاذية العالم ، صارت مشغولة بالهموم اليومية ، و لم يعد لديها الوقت أو القدرة على متابعة الأمور الإستراتيجية و ترتيب الأولويات ، و قيادة الشعوب ، و مواجهة حركة التغريب و هو التغريب الذى لم يعد قاصرا على الثقافة و الإعلام ، بل أصبح جزءا من حياتنا و معاشنا و تفكيرنا و هو الأخطر . إن حياة التخلف و الإستهلاك و الإعتماد على الأعداء فى حماية أمن الأمة، أساسها اليأس و الخوف من التضحية و الجهاد مما أطال عمر التحديات الإستراتيجية .
ثالثا:
تطوير العمل فى القضية الفلسطينية و هى القضية المركزية للأمة ، و قد طور أهل غزة – و يحاولون – تطوير قدراتهم البحثية فى ميدان إنتاج الصواريخ محليا فى الوقت الذى تستضيف فيه بلاد الخليج صاحبة الثراء و البراء و الولاء قواعد عسكرية أمريكية و فرنسية ، و تقف دولة كبيرة مثل مصر ضد مصلحتها و مصلحة الأمة بتسليم زمامها - كلا أو جزءا – للصهاينة.
رابعا:
دع عنك الفقر و المرض و الجهل و التشرذم و البطالة و الفساد و الخلاف المستمر سواء فى نطاق الجامعة العربية أو على نطاق العالم الإسلامى . و يكفى فى هذا مشاهدة أو قراءة مقررات مؤتمرات القمة العربية و مؤتمرات منظمة المؤتمر الإسلامى.
خامسا:
قام الجهاد فى أفغانستان ثم البوسنة و صمد و نجح فى تغيير العالم و القضاء على الإتحاد السوفياتى ، و اليوم نرى أن أفغانستان مستقلة و البوسنة مستقلة ، و لكنها تحتاج إلى دعم كبير حتى تخرج من السيطرة و الهيمنة العالمية الغربية و التدخل الصهيونى. الصهيونية اليوم مأزومة و مهزومة و النظام العالمى أكثر إنهزاما و إنكسارا و تعرضا للأزمات جميعا. فأين نتيجة الجهاد و التضحية ، هل نجاهد لحساب الآخرين أم نجاهد للخروج من التخلف؟
نحن اليوم بحاجة إلى ترسيخ الخطوة الاساسية اللازمة لبناء نظام عالمى جديد يقوم على الحق و العدل ، و يقف ثابثا ضد الظلم و العدوان و الإستهلاك و الإستكبار، و الهيمنة و الفساد و الإفساد و التخلف عموما ، و قد يكون هذا النظام الجديد باسم التحالف العالمى ضد الإستكبار و الهيمنة أو أى اسم آخر. لابد من دور جديد للأمة العربية و الإسلامية بالتحالف مع الاحرار فى العالم كله . و قد سعدت عندما صرح الرئيس الإيرانى مؤخرا بأن إيران مستعدة للمشاركة فى إدارة العالم. و أنا أطالب بأكثر من ذلك و هو قيادة العالم و ليس فقط الإشتراك فى إدارته ، نحن الذين انتصرنا فى أفغانستان و البوسنة و لبنان و غزة مؤخرا. لابد أن نسعى لتأسيس نظام عالمى جديد بالتعاون مع المقهورين الآخرين و المظلومين فى العالم.
إذ لا ينبغى أن يمر الوقت سدى بدون وضع استراتيجية عالمية للتحرير ، ووضع الخطوات اللازمة لبناء نظام عالمى جديد ، بدءا بتحرير فلسطين و المقدسات و المظلومين فى العالم من هيمنة المستكبرين .
إن النظام العالمى الحالى يعانى من الشيخوخة و المرض و البوشوية التعيسة التى انتهت و اختتمت عصرها بالحذاء الزيدى العراقى ، و لم يبق إلا إعلان الوفاة لهذا النظام الظالم، و لعل أهم أسس و اعمدة هذا النظام الجديد المقترح تتمثل فى الآتى :
1. الجمهورية الإسلامية فى إيران و السودان و من ينضم إلى هذه المسيرة من دول منظمة المؤتمر الإسلامى.
2. الحركة الإسلامية للإخوان المسلمين فى العالم
3. بقية الحركات الإسلامية فى العالم
4. حركات التحرير فى العالم ، و كذا هيئات حقوق الإنسان و مؤسسات المجتع المدنى المستقلة.
5. حزب الله فى لبنان ، و تجمع علماء المسلمين فى لبنان و من على هذه الشاكلة
6. حركات المقاومة فى فلسطين بقيادة حماس
7. فنزويلا تحت قيادة الرئيس شافيز
8. بوليفيا تحت قيادة الرئيس موراليس
9. كل النظم و الحكومات المواجهة للهيمنة و الإستكبار فى العالم مهما كانت توجهاتها السياسية و الإجتماعية . المهم هو الوقوف ضد هذا النظام العالمى القائم الظالم المتهالك.
10. النجاشية فى الغرب ، و لا نعدم وجود نجاشية فى كل دول الغرب بما فى ذلك أمريكا نفسها بل إسرائيل نفسها مثل أتباع ناتورى كارتا أى حركة اليهود ضد الصهيونية و ضد إنشاء إسرائيل و استمرارها.
11. الإتحادات و المؤسسات و المؤتمرات المستقلة التى تعبر عن توجهات الأمم و الشعوب و فى مقدمتها المؤتمر القومى الإسلامى و غيرها من الهيئات و المؤسسات المعنية بالعدل و الحق و حقوق الإنسان.
هذه الخطوة قد يراها البعض مستحيلة أو كبيرة جدا فى الوقت الحالى و أظن أننا إن لم نقم بهذا اليوم قبل الغد و إن لم نقتحم هذا الميدان فنظل نعيش على هامش هذا العالم و سيفرح الآخرون باستهلاكنا و إحتلالنا و تخلفنا ، و سنظل نعانى من الإتهامات الباطلة و فى مقدمتها الإتهام بالإرهاب و بالتشدد و التطرف ، و ستظل مواردنا التى أنعم الله تعالى بها علينا ، مصدرا للتصنيع و الرفاهية و القوة عند الآخرين ، وسنعانى من طرح حلول جذرية لمشاكلنا و سنخضع للتحديات و خاصة السياسية و الأمنية حتى يرى بعضنا أن الحل لقضية مثل قضية فلسطين هو نفس الحل الذى يراه المحتلون و الأعداء و المنهزمون . نحن فى سباق مع الزمن إن لم نسبق سيسبقنا الآخرون مهما كان ماضينا مجيدا و مزدهرا.
و الله الموفق
د. كمال الهلباوي